الأحد، 25 يناير 2015

درس بالرحمة من خادمتنا الكافرة



-البداية:
"وبالرحمة والرفق يصبح المرء إنسانا"

-متن:
تُفيق قبل شروق الشمس بقليل محرومة من لذة النوم الذي لم تعانقه إلا بعد منتصف الليل وكل هذا لتُنجز قائمة الأعمال الطويلة المكتوبة على تلك الورقة المعلقة على الثلاجة .. يبدأ يومها بعمل وينتهي بعمل وكل أيامها متشابهة فلا إجازة ولا ترفيه ولاحتى رحمة ورأفة بالمعاملة ..
تتأخر بترتيب الشيء فتسمع منّا لهيب الكلام وويلات التوبيخ .. تتحمل ولاترد وتكتفي بدموعها التي تعانق وسادتها كل مساء يقابل ذلك راتب لايساوي فاتورة مطعم يدفعها أحدنا ولايسأل عن الثمن .. لابأس فهذا صميم عملها فهي "خادمة" 

-في بيتنا "عبيد"
ممنوع التأخير حتى لو كان لأخذ قسطٍ من الراحة فهي جاءت من بلدها تاركةً أطفالها لتعمل كالإنسان الآلي دون تعب أو إرهاق وكيف ذلك وأنا العائد من مكتبي البارد صيفًا والدافئ شتاءً مرهقًا من تعب ارتشاف القهوة وإحالة كل أعمالي للسكرتير والجلوس لساعات ضائعة بين التجول بهاتفي ونقاشات مملة مع زملائي لقتل الوقت ثم العودة بسيارتي الفارهة لأسكب جام غضبي على تلك البائسة التي تعمل على مدار اليوم طيلة أربع سنوات دون مراعاة لآدميتها ومعرفة نقطة مهمة أنها بشرٌ مثلنا تتعب وتبكي وتحتاج للمعاملة الطيبة رحمةً للغربة التي تعيشها بيننا ..

-حدث معي
وجدتها تجلس بالمطبخ وتُطيل النظر بلعبة صغيرة لها صوت طفولي .. نظراتها الشاحبة وبكائها لم أفهمه .. رأتني فكفكفت دموعها محاولة إخفائها وعندما سألتها قالت أنها تركت طفلتها وعمرها سنة والآن هي بالخامسة من عمرها ولم ترها .. ثم مضت لتغسل الصحون لعل انشغالها يقتل نار الشوق لرؤية أطفالها .. 
كم هي مؤلمة مشاعر الحنين .. فمابالنا إذا اقترنت بغربة وبؤس وتعب ومعاملة سيئة 
هم بشر .. وليسوا عبيد ..
يحتاجون منا للرأفة .. يُفرحهم ثوب رخيص نشتريه لهم .. يُسعدهم أن نحسب حسابهم بالأكل الجاهز الذي نطلبه وليس انتظار ماتبقى وكأنهم لايشعرون .. 

في إحدى المرات وفي طريقي للعمل وجدتهم يُجلسون الخادمة محشورة مع الأغراض في آخر السيارة .. أي إنسانية هذه وأي دين يقبل هذا التصرف .. 
ونحن لسنا بأفضل منهم فالظلم درجات .. فقط لأنها أحرقت قميصي أسمعتها مالاتحب ووبختها بكلمات أقسى من اللكمات ولم آبه بتوسلاتها ومبرراتها بأن "المكواة" جديدة ولاتعرف استخدامها .. لايهم فالأهم أن نجرحها ونحلل عبوديتها وبئس التصرف والقرار

لا أعلم لماذا لانعاملهم كما نعامل بعضنا .. ولا أعرف سبب تباهينا بتوبيخهم واللذة في ذلك .. كنا نستطيع توجيههم بالرفق واللين فهم يعيشون بيننا وأحد أفراد أسرتنا .. لِلحظة تخيلت لو نحن من سافر لبلدانهم ونعمل لديهم سنوات متواصلة دون إجازة ولا راحة وتحت المعاملة السيئة والعنف اللفظي محرومين من رؤية أهلنا معانقين الغربة والحنين وسط لغة مختلفة ومجتمع غريب ونظرة دونية .. هنا فقط ستشعر بمعاناتهم ..
سافرت خادمتنا بعد أن تركت في غرفة كلٍ منّا هديته لشيءٍ يحبه ولأنني أحب الكتابة تركت لي دفترًا وقلم ..  وفي غرفة أخي عطره الذي يحب .. درس قاسي بالإنسانية من تلك التي جرّدناها من آدميتها فشكرًا لظلمنا وغرورنا.

-فاصلة،
 عظيم جدًا 
أن تنتمي لإنسانيتك .. 
تخاطب الآخرين بها دون مراعاة لمناصبهم ولون بشرتهم وجيناتهم الوراثية 
ستكون أعظم شيء بالحياة.. 
جرّب مرّة:
أن يمر يوم دون أن تغتاب .. تذم .. تحقد .. تُسيء لأحد
على الوسادة .. ستنام بسرعة 
دون ساعات الأرق والقلق
جرّب فقط

إضاءة:
علمتني الحياة أن الإنسانية ممارسة وأفعال وليس كل بشر "إنسان"

آخر السطر:
أول دروب الإنسانية يافهيد تكف لسانك عن الناس .. أكرمهم بتجاهلك

دويع العجمي
@dhalajmy

السبت، 27 ديسمبر 2014

كل عام وأحلامي وإخفاقاتي .. بخير

البداية:
"وكلٌ مسخرٌ لِما خُلِقَ له"

متن:
إنها سنةٌ جديدة تقف على نافذة الأحلام والأمنيات ولاجديد يُذكر ولكن القديم يُعاد، عامٌ مضى مليءٌ بالخيبات والنجاحات .. وعامٌ قادم نستقبله بالأحلام والتي غالبًا ماتتجاوز قياساتنا ونادرًا ماتصافح الواقع ولكنها الحياة نعوّض بخل عطاءاتها بسذاجة طموحاتنا لنُضمد جراح الحرمان وتلك الأشياء التي لم تكتمل والتي لانقوى على البوح بها لأن أشد الألم نكشك لجراحك فنُخفي ذلك بعدم الإهتمام وأن القادم أحلى وأجمل .. إلى حين.

عامٌ مضى:
خططت فيه لنجاحات رسمتها بالعام الماضي وكتبتها بالعام الذي قبله لأُحققها هذا العام وقد يمضي فأُعيد كتابتها العام القادم ولا أعرف متى أنتهي من تلك القرارات التي تحتاج لعزيمة وإرادة كافية .. وتلك الأفكار المتشابهة التي تختلف أسبابها حسب الحالة المزاجية وكوب القهوة .. وكل عام وأنا وإخفاقاتي وأهدافي بخير.

عامٌ مضى:
كسبت فيه قلوبٌ طيبة وأشخاص رائعون وودعت آخرون ظنُّوا أني سأُعظّم غيابهم وتحرقني الدقائق شوقًا لمُلاقاتهم متناسين أن أمثالي لم يعد الغياب مؤثرًا في حياته لأني ببساطة اعتدت الخذلان .. والغياب لايُزعج من تلذذ بطعم الوحدة برفقة كتابه وقلمه وفوضوية مكتبه، للأسف بت أكثر مرونة بتقبل فكرة رحيلهم بل وأودعهم بابتسامة ولكني حريص على أن لايجدوني حال عودتهم فـ للكرامة شموخ وثقافة الرف التي يرحلون متى يشاؤون ليعودوا ويجدون كل شيءٍ على حاله أرفضها .. فلست من أشيائهم المركونة والتي تنتظر مجيئهم ولأني مؤمن بأن الحياة كالمطار هناك مغادرون وقادمون وعلى هذا تطيب جراح الحنين فعذرًا للغياب.

عامٌ مضى:
فشلت ببلوغ أشياء كثيرة تمنيتها ولكن الجميل أني حافظت على إنسانيتي ورفعت سقفها بمخاطبتي للبشر فلم يعد يهمني أصله وشهادته وجنسيته فالناس بأخلاقهم يتمايزون وبثقافتهم يتحدثون وهذا مايُثقلهم بميزاني وإن كان المجتمع لايزال يعيش مرض النفاق الإجتماعي الذي لفظته منذ سنوات فلم تعد المجاملة في دفتر علاقاتي حتى مع ذوي القربى فمن لايحترم وجودي ويُقدّر ذاتي لا أُعظّم حضوره وأسقطه من قائمة اهتماماتي فتبدو الحياة أجمل بالرائعين الذين يبادلونا الود رغم قساوة القرار إلا أن النتائج عظيمة.

عامٌ مضى:
ولاتزال جدتي تعتقد أن شرب "اللبن" مع السمك يسبب "البرص" لتوبخني قائلة "لاتاكله جعل ياكلك المرض"
رغم أن العلم أثبت عدم صحّة تلك الخرافة وبذات الوقت لانزال نعتقد بأن "السمك" لايؤكل إلا كل يوم جمعة .. والحمدلله رب العالمين.

عامٌ مضى:
سطّرت به قاموسي الخاص الذي يشبهني والذي تعلمته من دروس الأيام التي لاتحابي أحدنا على الآخر ولاتعترف بأسمائنا ومناصب آبائنا .. ومن دروس الأيام تألمت فحزنت وتعلمت .. فكتبت.

-سطور وهوامش وحروف:
 نبض:
آمنت بأن كل حب جديد ينسف ماقبله ولايبقى من الماضي إلا ذكريات وبقايا مشاعر نضحك على سذاجتها.

معادلة:
إذا اتفق ثمانية من أصل ثمانية تجمعهم معرفة ورذيلة واحدة وسوء خُلُق على أنك "سيّء" .. فأنت رائع بشهادة لم يقصدوها

نظرية:
لايوجد حقد مفاجئ .. دائمًا هناك فاشل يرى في نجاحاتك نقصه الذي لم يُكمله.

هامش:
التمسك بمن ينشغل عنك .. يؤخر رحيله ولايمنعه.

الغباء:
أن تتساهل بمن يعذرك دومًا، أنت لاتملكه فكثرة الأخطاء تحرق الحب فيمّلك ذاك القلب ويُفضل الرحيل بصمت .. للأبد

السقوط:
أن تجعل من نفسك رد فعل على أقوال وأفعال الآخرين والعظماء هم من يصنعون الواقع ولاينتظرون القوافل تقلهم أينما شاءت

إضاءة:
تقول العرب: أنت حيث تضع نفسك؛ فليُحسن كل منّا موضع "نفسه" ويُجيد تقديرها.

آخر السطر:
راحت سنينك يافهيد وأنت كل يوم تقول: "من بكره ببدا رجيم" .. أبكيك !

دويع العجمي
@dhalajmy

الأحد، 21 ديسمبر 2014

وشاب الشعر يافهيد

البداية:
"الثقة ميزان البشر.. نقصانها كزيادتها مهلكٌ للذات"

متن:
كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما احتفلنا به عائدًا من فرنسا بشهادة الدكتوراه، أحد الأقارب الذي كان يشبهنا بتفاصيلنا البسيطة، وحياتنا المبنية على العادات والتقاليد، وصبغة البداوة التي نعتز بها، جمعة "الشيبان" ودروسهم التي لا تنقطع.. يعتلي سقفها الحفاظ على الصلاة والكرم واحترام الآخرين، صحيح أنهم لم يتعلموا في المدارس والجامعات، لكن الحياة علمتهم ما هو أهم بكثير من مناهج الدراسة.
هو عاش بهذه البيئة البسيطة وعايشها بشتائها ولواهيبها، وربيع أيامها التي تحلو لياليها مع "دلالٍ على جال الضو"، تزينها النقاشات والشعر وقليل من "صعلكة المراهقة".. إلى حين!

تغيرت فيه الهقاوي.. عسى العوض بالليالي المقابيل

الذي عاد من باريس تغير كثيرًا!
نظرة الاستصغار لنا والفوقية بالتعامل معنا باتت سمة واضحة.. اختصار الكلام مع الجميع والاستهزاء بمواضيعهم.. ملبسه وشكله تغير ولم يعد يشبه ذاك الطيب الذي كان يحبه ويحترمه الجميع.. مُحبَط من هيئة والده وعصاه، ويرى الرجعية متمثلة بـ "برقع" والدته، وكلاهما يكتم جرحه ويدعو له بالخير والتوفيق.. حتى نحن بات يخجل من منظرنا في مناسباته لكي لا يرانا أصدقاؤه الأرستقراطيون الذين درسوا معه في باريس، فنحن باختصار.."بدو" ولا نُشرّفه!
مجتمعنا البسيط طيب، كانوا يلتمسون له العذر ويقولون: "يحق له متعلم ومثقف".
وكل هذا حشمة لماضي أيّامه الكريمة التي يحفظونها له والتي داسها بغروره.. رغم صغر سنّي حينها فإني رفضت أسلوب حياته ونظرته لغيره، ولكن لا يحق لنا الكلام والتعبير، فالصغار ينصتون فقط عندما يتحدث الكبار.. وليت قومي يعلمون.

رفيقٍ يسر العـين ويكمّل الماجـوب
صفات المراجل كلها فيه ملتمّة

على مقربة منه وليس ببعيد؛ يقف ذاك المجتهد الأقل منه ذكاءً ربما وحظا ومن ذات البيئة البسيطة، رغم دراسته الطويلة في بريطانيا يعود ليذهب بوالده المسن عند "الحلال"، فوالده عاش حياته لا يملك إلا "إبله وأغنامه".. تُضيع عليه وقته ويتاجر فيها ويأنس عندها.. يمازح والدته بمحبوبته البريطانية التي سيتزوجها؛ لترميه بأقرب ما تلمسه يداها.. هو مختلف عن الأول على الأقل بقي كما هو.

دمعة فخر سالت على خد شايب
عودٍ بكى من فرحة العين مسرور

الفصل الأخير.. التحضيرات على قدم وساق لحفل التخرج.. أقسم أنه لن يتسلم شهادته إن لم يحضر والده لبلد الضباب، وأمام إصراره وافق ذاك "الأُمّي" المسن الذي لا يقرأ ولا يكتب، فحياة الأولين ليست مفروشة بالديباج والحرير كحياتنا، وظروفهم قاحلة وصعبة.. وقف الابن على المنبر شامخًا ليُهدي تخرجه لوالده الذي روَت دموع الفرح تجاعيد العمر وقلّما ذرفها، ولكن للدموع الصادقة ميقات ومواعيد.. كبرنا وتثقفنا ففهمنا أن العلم والشهادة لا تزيد المرء إلا تواضعًا ووقارًا، والإنسان الذي لا تنعكس شهادته وعلمه على أخلاقه وسلوكه جاهل لا قيمة له، ولا لقطعة الورق المختومة التي يتبجح بها، فالناس بأخلاقهم يُقاسون، ومن لا يحترم جذوره وأصله لا يستحق التقدير، فثلث الحكمة مداراة الناس وليس التقليل من شأنهم والتعالي عليهم.. نال الأخير محبة الجميع واحترامهم، وزاده الله توفيقًا وقبولا في المجتمع، أما الأول فلازال يعيش صراع البحث عن الذات، فلا هو الذي صافح الواقع وافتخر بجذوره وانتمائه، ولا هو الذي نجح بإقناع ذوي الطبقة المخملية بأنه يستحق أن يكون "منهم"، وهو الذي مع أول اختلاف يحرقونه بفئويتهم، وهذا ليس بكثير.. فمن لا يحترم أصله ومرباه، ويتبرأ منه لا يحترمه الناس، ففاقد الشيء لا يعطيه.

فاصلة،
كل منّا يمر بنشوة فخر واعتزاز قد تفصله عن الواقع، فيرى نفسه بصورة ويتوهم أن الآخرين ينظرون له بهذه العَظَمَة، والحقيقة المؤلمة أن الناس يرونك من زاويتهم التي لا تبصرها، فلا أنت العظيم المهم ولا الرائع المبهر، قد تكون شخصا عاديا رغم وضعك قياسات أكبر بكثير من حجمك.. يقول كريم الشاذلي إن أسعد الناس من انطلق من حجمه الحقيقي، وعرف موطئ قدمه، أنت وحدك من يُجيد تقدير ذاتك ومعرفة أسرارها وأبعادها.. أما أجمل الناس فهم أولئك الذين مهما أكرمتهم الحياة من الحظ والنجاح يبقون كما هم ولا يتغيرون، ويحفظون الامتنان للأشخاص الرائعين حولهم ولا يتكبرون عليهم.. وفي قصة الشابين تدور الفوارق.
لهذا.. ما عادت الشهادات تبهرني، ولا الألقاب قبل الأسماء تهمني.. عند النقاش والحوار سأعرف شهادتك الحقيقية، وما الناس إلا ملافظ ومضمون.

إضاءة:
علمتني الحياة أن النجاح الحقيقي يبدأ من مصافحتك للواقع، والقناعة بالموجود، والرضا بالمقسوم.

آخر السطر:
"تنكرت للشاص والبل عقب ما قمت تخثرد بالفرنسي!.. شاب الشعر يا فهيد".
التعليقات

الأحد، 7 ديسمبر 2014

فلّة حْجاج


البداية:
"ومن أشكال العذاب؛ حبٌ من طرفٍ واحد"

متن:
موجعة مشاعر الحب لذاك الذي لايبدالنا ذات الشعور،
تحاول ترويض القلب فيكسرك الواقع
 وهذا أقسى درجات العذاب،
 يعجبك حديثه وتسعد الروح برؤيته،
تبذل المستحيل لكسبه لكنه لايأبه بك
فعالمه مزدحم وقلبه مشغول ونظره أقصر من أن يرى جمال عطائك وليس هذا بخطأ لكنه ميزان القلوب فالحب والإعجاب والوصل من طرف واحد عذاب وألم وإن حاولنا التظاهر بعكس ذلك.

في الحب والعلاقات والصداقات نمر بتجارب قاسية والبدايات دائمًا صعبة
والتظاهر بعدم الاهتمام هو اهتمام
لكننا نُطيّب جراحنا ونحاول ترميم ذاتنا بسبب ذاك الذي لايشعر بنا ولايبادلنا سيل المحبة الذي جرفنا له .. لا بأس فهذا من طبيعة الأشياء ومع الوقت نكسب مرونة التعامل مع أولئك الذي يخطفون القلب من دون أن يعلموا ذلك ونضعهم في أعلى اهتماماتنا فيصدمونا بهوامشهم فنعيش الصراع :
إما بقاءٌ مُهين أو رحيلٌ بشموخ
الأولى صعبة على النفس والثانية مدمية للقلب وعلينا اتخاذ القرار

-وماكل الليالي طيبات وتساهيل
عشتها .. تلك التجربة في صداقات معدودة، بالأولى قررت البقاء فوجدت نفسي شخص سطحي بلا أهمية وعندما قسوت على نفسي ورحلت علمت أن أعظم القرارات هي التي تُتخذ بعقل بعيدًا عن العاطفة فالقلب أعمى والعقل دائمًا يبصر الصواب .. وتبًا للحياة التي لاتتوافق بين العقل والقلب وهما المتسايران الذان لايلتقيان .. اليوم أصبحت مرن أكثر ومن التجارب استطعت بسهولة العبور من هذه العلاقات بسرعة دون ألم وتفكير فتبدو الحياة أجمل.

 فل الحجاج وخل عنك الهواجيس
كلٍ يموت وحاجته ماقضاها

الحياة أقصر بكثير من أن تختصرها بمن لايأبه بك ولايهتم لأمرك، برمج أعصابك وعقلك على فكرة أن قلبك ومشاعرك متغيرة ولاتتوقف على أحد والسعادة قرار قبل أن تكون شعور،
ضخّم مساحة من يحبونك واستمتع بأوقاتك معهم ولاتترك نفسك للفراغ فهو عدو المشاعر وهادم اللذّات وهو من يُعيد شريط الذكريات الحزينة ليفتح باب العذاب فتتألم من جديد، لنخطوها معًا: حياة جديدة وأشخاص رائعون ولحظات جميلة باختصار لنتعلم كيف نستمتع بحياتنا بعيدًا عن مشاعر الحرمان وهذا دواء القلوب.

-قاموس ومشاعر
الخذلان:
هو أن يطعنك شخص غمرته بمحبتك وأعطيته الكثير فكان أول من شمت بسقوطك وأعان عليك حاسدوك.

الكرامة:
أن تؤمن بأن بعض العلاقات يُكتب لها النهاية بدون سبب ولكن عليك أن تتعلم كيف تغادرها وأنت مرفوع الرأس وتذكرهم بخير.

المروءة:
أن لاتشمت بمن تكره .. طبيعي جدًا أن يكون هناك أشخاص لانحبهم ولكن الحب شعور والإحترام مبدأ وعلى هذا نقيس الأمور

عزة النفس:
أن تشتاق لشخص وتحبه جدًا ولكن لاتطلب منه الحب والإهتمام لإن هذه الأشياء إن طُلبت فقدت قيمتها وسقطت.

الأسف:
أن يحبك شخص ويتحين الفرصة لرؤياك ويبذل العناية ليسعدك وأنت لاتبادله ذات الشعور ولكنك تلاطفه لتجبر خاطره وبنفس الوقت لاتود خداعه.

الغرور:
أن تضع نفسك بمكانة أعلى بكثير من قدرها وتتحدث عن فرضيات وصورة لنفسك لاتراها إلا أنت فتبدو أحمق وساذج.

الثقة:
أن تستمتع بإنجازاتك وتتحدث عنها بشموخ فهي أشياء اجتهدت بها وانجزتها ولك حق بالسعادة بها فمن حق نفسك عليك أن تُشعرها بالرضا.

إضاءة:
"تقدير الناس لك يبدأ من تقديرك لذاتك ففاقد الشيء لايُعطيه"

آخر السطر:
الكرم يافهيد ساس كل طيب ولا الردي يبطي محدٍ وقف على بابه

دويع العجمي
@dhalajmy

السبت، 22 نوفمبر 2014

الولد الترف اللي بجامعتنا

البداية:
"وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون"

متن:
درس معهم بمايسمى "الفصل الحر" قادمًا من جامعته ليُنجز مواد معينة ثم يعود لها، الطلبة لايعرفونه وهو هادئ وحسن المظهر، خلال أيامه الأولى تبين حرصه والتزامه بالدراسة ليشيد به أساتذته لتحضيره للدروس قبل المحاضرات، شخصيته انطوائية بعض الشي وملامحه البريئة انعكست على وجنتيه وأخلاقه العالية .. ولكن؟

"حتى الكمال .. يحضر ويغيب"
الكل يشيد بخلقه والجميع يتهامسون بينهم أن لديه "مشية أنثوية" وكأنه يتعمدها فطريقة ثني الخصر أثارت سخط الطلبة واستغرابهم ..
وبات السؤال الحاضر"إذا كان بهذا الإحترام والوقار؛لماذا يفسده بتعمد الأنوثة"
أصبح الطالب الجديد يجمع كل المتناقضات فسلوكه بين الرزانة والرذالة جعل الغالبية يرمونه بالغمز واللمز وعلى مسامعه وهم يتضاحكون مقللين من احترامه .. وحسنًا فعلوا فأمثاله لايستحقون الإحترام.
وكلما مر على مجموعة من الطلبة سمع الأمرين والغريب أنه مُصِر على تلك المشية المريبة ولم تهزه سهام الساخطين والشيء الوحيد الذي تغير تلك الابتسامة العفوية التي اختفت لتزداد انطوائيته ووحدته.

"وياشين ذنب الحكي وياثقل دمه"
شارف الفصل الدراسي على الانتهاء، الطالب "الترف" سيعود لجامعته بعد أن سمع كل مالايحب ولايرضا، أحد الزملاء استعان بدفتر محاضراته ودار بينهم نقاش قصير ليعود لبقية الطلبة يخبرهم أن سلوكه وكلامه لايشبه مشيته فاحتاروا في أمره ولكن لايهم فالمكتوب واضح من "خطواته"
المحاضرة القادمة والأخيرة ستكون "تجربة غيرتك" يتحدث خلالها الطلبة عن حدث غيرهم وأثر فيهم .. وجاء الموعد وطالب تلو الآخر إلى أن ارتقى زميلهم الجديد المنبر ليتحدث عن كيف كان مغرورًا بشبابه ودلال والده له واهتماماته السطحية وإثر حادث بالسيارة تسبب له بكسر بالحوض وإعاقة دائمة تغيرت نظرته للحياة وللآخرين حتى تلك الكماليات التافهة ماعادت تهمه .. وبصوت مليء بالحزن يكمل:
وكأن الله وهبني إعاقة دائمة في عظام الحوض لتؤثر على خطواتي ولياقتي حتى أتذكر أني ضعيف ولا اغتر بهذه الدنيا الفانية رغم ما أناله من نظرات حارقة وهمسات تقتل فيني السعادة ولكني أقابلها بالتغافل أما إعاقتي  فهي مشيئة الله والحمدلله أولًا وآخرًا"

نزل من المنبر وسط صمت غلّفه الحزن على سوء الظنون ليس من زملائه حتى أنا وأنتم حكمنا عليه ببضع كلمات والآخرين بسبب تلك الخطوات ولم يكلف أحدًا نفسه أن يسأله عن سببها ولم نلتمس له العذر، لف الوجوم وجوه الحاضرين وبهدوء غادر القاعة وكأنه يرفض اعتذاراتهم فقد اعتاد على المشي على الشوك ومن تدمى قدماه من شوك الظنون يفقد شعوره بالألم.
 حاولوا ادراكه لكنه مضى حيث مجتمع جديد يُسمعه ذات الكلمات وهمسات الاحتقار التي لاترحم والناس الذين بكلٍ ظنٍ يُسيئون وإن "أكثر الناس لايفقهون"

"وجعل عين أمي بالوجود"
أساؤوا الظن بها لرفضها طابور العرسان الذين يتقدمون لها وهي التي تسكن مع والدتها وحدهم دون رجلٍ يحميهم فوالدها رحل وليس لها أخوة.
 ليقول جارها الشاب على مسمع من أصدقائه ولماذا تتزوج شابة جميلة وليس عليها من يسألها عن مواعيد خروجها وغيابها وكأنه بحكمٍ مبطن يرميها بشرفها ليصدقه السفهاء جلسائه فتلك البنت اللعوب تريد الحرية بماتفعل
وحين بلغها ماقاله جاءته تبكي لتنطق دموعها: "لم أرفضهم بل هم من رفض شرطي فوالدتي المسنة المريضة في رقبتي وشرطي أن أُعيلها وتعيش معي فيغادرون وأعذرهم فمامن شاب يريد تحمل إمرأة على فراش المرض وأعذر نفسي فأمي باب من أبواب الجنة ولن أغلقه بعقوقي" .. كفكفت دموعها وذهبت وعلى هذا يستمر مجتمعنا المريض بإساءة الظن وخبث النوايا بتفسير الأشياء فنحن أقوامٌ نتفنن بتفسير الأشياء بخبث الظنون ونبني نجاحاتنا بهدم نجاحات الآخرين ونبدع بالتشهير بالناس على الفرضيات والذنوب ولكن .. "إنه لايفلح الظالمون"

فاصلة،
هكذا نحن وهذه صورتنا القبيحة مهما حاولنا تجميلها ونكرانها ولكنه واقعنا المؤلم المليء بسوء الظنون والسعيد من يحسن الظن دائمًا و لايرفع سقف توقعاته بالآخرين ولاينتظر منهم حمدًا ولاشكورا أما أفشل الناس من ينشغل بغيره وأحقرهم من يحترف إساءة الظن فكم من سوء ظنٍ هدم مستقبلاً وقتل صاحبه وجعله منبوذًا بين أهله وجيرانه ومن يتأمل نصائح لقمان الحكيم لوجد أن أكثرها جاء بحسن الظن وفيها رسالة أن راحة القلب والتوفيق بالخُلُق الرفيع وأساسها ظنٌ حسن وكلمة طيبة .. أما أنا فوالله منذ سنوات قليلة مضت اتخذت قراري بأن لا انشغل بغيري ولا أسيء الظن به ولا ارفع سقف آمالي حتى فيكفي من الخذلان ماجنيته من تجارب سابقة .. قد نرويها قريبًا.

إضاءة:
من ساء ظنّه ساءت أخلاقه وأظلمت حياته

آخر السطر:
ودروب الردى يافهيد بصاحبٍ ينحكى به

دويع العجمي
@dhalajmy

السبت، 15 نوفمبر 2014

درس جديد أُضيفه لقائمة حماقاتي

البداية:
"وإن لم يجدوا فيك عيبًا .. كسوك من عيوبهم ثم عابوا"

متن:
تروق لي البدايات وتؤلمني التجارب الفاشلة وإن كنت أخرج منها بدرس يقوّم إنسانيتي ويجعلني أفضل إلا أني أحزن على حالي فالأرق والليل ما إن يجتمعان إلا كان جلد الذات ثالثهم فاللهم عطفك ورضاك.

"حدث ذات يوم"
جمعتنا ملتقيات ثقافية كثيرة، لا أعرفه جيدًا ونكتفي بالسلام والسؤال عن الحال وتلك المصافحات الباردة وقائمة الترحيب المعلبة التي نرددها كنوع فاخر من المجاملات الإجتماعية، يبدو مثقفًا وقليل الكلام ومستمع جيد، هذا انطباعي الأول تجاهه وبعد كل محفل ثقافي يعود كل منا لينغمس بحياته ودوائرة علاقاته المنفصلة عن بعضنا

هاتفي يرن .. رقم غريب والصوت كذلك يبدو غريب .. عرفني بنفسه .. نعم هو .. الشخص ذاته الذي تجمعني به الصدف والمناسبات، اختصر سلامه ودعاني لتشريفه بديوانه .. أغلقت الخط بعد أن شكرته على الدعوة .. وبعد حين علمت أنه زميل صديقي المقرب بالعمل ومن الطبيعي أنه يعرفه جيدًا .. فماذا حدث؟

"وليت مسامعنا ماتصغي لكل حيٍ ينحكى به"
إيّاك .. فهذا متغطرس ومغرور ولايغرنك انطباعك الأول فالطيور على أشكالها تقع .. هذا مابدأ به صديقي عندما سألته عنه ؟
وأكمل: شخص أناني ولاينظر للآخرين بشيء ولديه انتقائية بالتعامل مع زملاء العمل و ... الخ قائمة التعرية التي جعلتني أكره هذا الشخص فأنا أثق بصديقي وحينها قررت اقصاءه من حياتي وكان ذلك فلم ألبي الدعوة وأكتفي بالرد على اتصالاته برسالة "عذرًا كنت مشغول" حتى اختفى اسمه ولم يعد يظهر على الشاشة "يتصل بك"

"وليت الندم ياصاحبي يعيد ماكان"
بدعوة من اتحاد الطلبة بأحد الدول الأوروبية حليت ضيفًا هناك .. كان موجود أيضًا .. نعم ذاك الذي عرّاه صديقي وكشف وجهه الحقيقي فأقصيته بتجاهلي .. وكأن القدر شاء أن يكشف قبح تصرفاتي فسكنا ذات الفندق
خلال السفر جمعتنا لحظات من النقاش والمواضيع فوجدته شخص مهذب ومحترم، عجبني عمق روحه الإنسانية وحرصه على الصلاة، لم يكن متغطرسًا ولا مغرورًا وكما قال ابن حنبل صاحبك من صحبته في سفر .. فالسفر ينخل البشر فيجعلك ترى عمقهم الفكري وشخصيتهم الحقيقية وهذا مازادني ألمًا وحسرة حتى بت أتساءل :
إذا كان بهذه الأخلاق والوقار فلماذا تكلم عنه صديقي برذيل الكلام؟

خلال حديثنا مع بعضنا أخبرني أنه ينتقي صداقاته بشكل جيد ولايحب العشوائية بعلاقاته وأثناء طرح اسم صديقي بشكل عرضي تكلم عنه بالحسنى وبتحفظ .. علمت أني اقترفت ذنبًا بالحكم على الأشخاص بأذني وليس بعيني فويلٌ للظالمين

"إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا"
نص رباني صريح يُهذّب النفس البشرية الأمارة بالسوء وهو عن الفاسق ومايرويه وبنظري أن كل من يتحدث عن الآخرين بمايكرهون هو فسقٌ عظيم
 النفس البشرية ليست واحدة وانفعالاتنا متغيرة، فقد تلتقي بشخص ولايكون ثمة خطأ بينكم ولكنك لاتحبه وتنفر منه وعلينا اليقين أن هذا من طبيعة الأشياء ومن موازين القلوب فنحن لانستطيع التحكم بمشاعرنا ولكن نستطيع تهذيبها، أن لايكون هناك تفاعل مع شخص ولانحبه ولايحبنا لايعني أنه سيّء ومتعالي بل لأن لكل منا اهتمامات وقناعات واسلوب حياة يختلف عن الآخر ناهيك على أن أبناء الكار الواحد والمهنة الواحدة قلما يتفقون فدوائر الحسد والغيرة من طبيعة البشر.
صديقي المقرب هو شخص جيد بالحياة ولكنه لم ينسجم مع هذا الناجح والناضج وكلاهما جيد باسلوب إدارته لأموره وذاته ولكنهما لايلتقيان فكريًا.
ليس هذا المهم .. فالأهم أنني وقعت بذنب عظيم بحكمي على هذا الناجح بما سمعت دون أن أرى منه وأحكم وكثير منا يقع بهذا التصرف الأحمق وعلينا أن لانهتم لما نسمع بل بما نرى ونعطي الآخرين فرصة لنحكم عليهم وبعدها نقرر ما إذا كانوا يناسبوننا كأصدقاء ومعارف أو نمضي بحياتنا التي لانعرف متى نتعلم وننضج ونتوقف عن السقوط بمثل هذه الحماقات الساذجة


فاصلة،
في كل مرة أعد نفسي أن أكون شخصًا جيدًا على الأقل بإنسانيتي التي انتمي إليها سرعان ما أكبو وأتعثر ليصحبني الليل برحلة مع تأنيب الضمير وجلد الذات .. لابأس درس جديد أتعلمه من قائمة حماقاتي الكثيرة ونسأل الله المغفرة لكني عزمت على أن لا اسمع من أحد وابني حكم على الآخرين بما يقولون فأنجح الناس هم أولئك الذين لاينشغلون بغيرهم أما أذكاهم فهم الصّامون آذانهم عن كل قبيح يروى بحق الآخرين.

إضاءة:
علمتني الحياة أن أعظم قرار نتخذه هو كف أذانا عن الآخرين فالناس فيهم مايكفيهم.

آخر السطر:
ومايحكي بك يافهيد الا اللي عاجزٍ عن علومك

دويع العجمي
@dhalajmy

الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

أُمّة كان وأخواتها

هنا باريس.. بلد أضواء المساء والصباحات الصاخبة التي تنتشي بحب المظاهر وهوس الموضة، وذاك الشعب الذي يختزل الرُقي والجمال في نفسه، وينظر للآخرين أنهم أقل منه كحالنا بالضبط، مع اختلاف لون العينين والبشرة وشبه انسجام تام بالتفكير والنظرة، فالسطحية بتقييم الآخرين مرض ابتلينا به وتشابهنا مع الفرنسيين بالطبقية.. نسأل الله الشفاء.

متن:
بدعوة من اتحاد الطلبة حللت ضيفًا على الملتقى الثقافي بباريس بعد أيام من مشاركتي بمؤتمر "مهنتي إنسانية" بإيرلندا، ولقاء طلبة الطب هناك مرورًا بلندن وزيارة الأصدقاء، وما لفتني هو شغف الناس بالقراءة، في بريطانيا وإيرلندا يستغلون دقائق الانتظار بالمطالعة، ففي الحافلة أو القطار أو المطار تجد الغالبية يخرج كتابه ليقرأ، ولا تسمع صوتًا إلا بالهمس حتى لا يزعجوا بعضهم، وهذه ثقافة اختفت في "أمة اقرأ".
في أحد قطارات لندن جلس بجانبي شاب بريطاني وبهدوء أخرج كتابه، دفعني الفضول لأسأله ماذا تقرأ؟
ليُجيبني بأنه يقرأ كتابا عبارة عن مختارات في فلسفة العقيدة الإسلامية واليهودية، وعند استفساري عن سبب اختياره، قال إنه يحب أن يفهم كيف يفكر الآخرون ليستطيع التعامل معهم، وأنه موظف بنك ولا يجد وقت فراغ كافيا للقراءة، وهو بالضبط ليس كحالنا لأننا في أي مكان عام نبحث عن "وايرلس" لاستغلال وقت فراغنا بين تويتر وإنستغرام وأحاديث "فلان وعلان" بالواتساب، ناهيك عن أننا محترفون في صنع وقت الفراغ حتى في أوقات العمل، وهذا إنجاز عظيم يُحسب لنا، وفشل اليابانيون في بلوغه.

-مُضحك.. ومُبكٍ
في إيرلندا زرت جامعة "ترينتي" التي تأسست عام 1592، وتعتبر واحدة من أقدم جامعات العالم، وأثناء التجول فيها لاحظت طابورا طويلا لدخول أحد المباني، ظننته "مطعما" أو "كافيه" لأن هذا ما اعتدته بثقافتي العربية الأصيلة، فنحن لا نزدحم إلا على ممرات المطاعم والكافيهات ودور السينما، ولكن كان ذاك الطابور الطويل من أجل دخول المكتبة، مع العلم أن دخولها برسوم "زهيدة"، ومع ذلك ازدحام شديد من الطلبة وزوّار الجامعة لدخول واحدة من أقدم مكتبات العالم، وعند دخولي لها وجدت تحفة ثقافية ومعمارية أكبر بكثير من أن تُسمى مكتبة، ضخامة المبنى وعراقة الترتيب، والعدد الهائل من المراجع الثقافية، حتى إني وجدت قسما كاملا لكتب ابن خلدون وابن سينا وغيرهما من المفكرين العرب مترجمة للإنجليزية.
لديهم جامعة رغم قدمها إلا أنها عريقة بالمباني والتجهيزات الحضارية، ومنظمة هندسيًا ومعماريًا، فلا ازدحامات بمواقف السيارات ولا معاناة مع "التكييف" بالفصول الدراسية، ولا مظاهرات طلابية تشتكي من الشعب المغلقة كما هو الحال بجامعة "موزنبيق" التي تعرفونها جيدًا.
هناك أُمّة تعيش على أمجاد الماضي، ودخول مكتباتها بالمجان، ومع ذلك لا يزورها إلا الفئران وغبار الوحدة، ولا عجب فمنظر شاب يُخرج كتابه بمكان عام محط للسخرية وعبارات الظرافة، أشهرها "خف علينا يالعقاد"، فتلك الشعوب تحترف استخفاف الدم الذي صاحبه خفة بالعقل، ومشغولة بتصنيف بعضها ومرض الفئوية الذي طمس فضائلهم البشرية، وتحترف الشتم والإساءة، أما الحجة والدليل ومقارعة الأفكار بالبيّنة والحوار فهذه نصوص يقولونها بمثالية، لكن عند أول نقطة اختلاف سترى العجب العجاب، بداية من طعن بالشرف والذمة، وصولًا إلى أنك لست أصيلا و"مو من عيال بطنها"، وأقل الإيمان أنك "لفو"، فالطبقية وغياب العقل أضاع المنطق ورؤية الازدهار، فالتنمية الأساسية ليست بتطور البنيان بل بازدهار ورُقي الإنسان، وهذا سبب تقدم سائر الأمم، في حين أن أمة "كان وأخواتها" تعيش على أنقاض الماضي.
يقول أحد المفكرين "بالقراءة ترى مالا يراه الآخرون"، فالقراءة تفتح لك آفاقا فكرية كثيرة وتجعلك ترى الأمور من زوايا عديدة، وتكوّن لديك فصاحة بالبيان تفتقدها مجتمعاتنا التي تهتم بالموضة وتقليعات الشعر، ومشاهدة "أراب أيدول"، وأعظم ثقافة نقدمها للغرب هي ثقافة الشاب الخليجي العظيم عندما يدخل مطعما ليطلب كل ما في "المنيو"، ويختمها بـ "بيبسي دايت" حفاظًا على ريجيمه الذي احتار معه كل أطباء التغذية، فكم نحن عظماء وليتهم يعلمون.

فاصلة
طلبة الطب في إيرلندا أسسوا تجمعا طلابيا ويُقيمون مؤتمرات ثقافية ورحلات إنسانية، كان آخرها رحلة "عون وسند" لمساعدة فقراء ومسلمي جيبوتي، وكل هذا على حسابهم الخاص ودون دعم، لفتة إنسانية من شباب بمقتبل العمر، لمست فيهم الطموح والتفاؤل للمستقبل، اجتمع السني والشيعي والحضري والبدوي، فكانوا مثالا لذاك الشعار الذي نكتبه فقط دون تطبيقه "وحدة وطنية".. فمن يحميهم من نيران الفئوية والمذهبية عندما يعودون بشهاداتهم العليا لمجتمع يهوى ويعشق التصنيف؟
إضاءة:
قرارك بأن تتغير يسقط عندما تهتم بماذا سيقولون عنك.. كن أنت وكفى.
آخر السطر:
"الناس تقرا كتب يافهيد وأنت خلك على قال فلان وسوّى علان.. أبكيك".